الشيخ محمد رشيد رضا
146
الوحي المحمدي
باللّه ما لا يضرهم ولا ينفعهم ، فهل كان هذا مما استمده محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من علماء أهل الكتاب ، فجادوا به عليه وبخلوا به على أقوامهم ؟ أم هو نابع من نفسه وزهو يقتضى أن ما ينبع منها أعلى من وحى اللّه لغيره على حسب دعوى أتباع هؤلاء الرسل ؟ كلا إنما هي من وحى اللّه تعالى له . 4 - الإيمان بجميع الرسل وعدم التفرقة بينهم : ومما بيّنه القرآن في مسألة الأنبياء والرسل أنه يجب الإيمان بجميع رسل اللّه تعالى وعدم التفرقة بينهم في الإيمان ، وأنّ الإيمان ببعضهم والكفر ببعض كالكفر بهم كلّهم ؛ لأن إضافتهم إلى اللّه تعالى واحدة ، ووظيفتهم في إرشاد المكلفين رسالته وشرعه واحدة ، قال اللّه تعالى في خواتيم سورة البقرة : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [ البقرة : 285 ] ، وبين في سورة [ النساء ، الآيات : 150 - 152 ] أن التفرقة بينهم في الإيمان هي الكفر حق الكفر ، وأن الإيمان بالجميع بغير تفرقة هو الإيمان حق الإيمان . وهذا مبنىّ على الإيمان بأن دين اللّه تعالى الذي أرسل به جميع رسله واحد في أصوله ومقاصده من هداية البشر وإصلاحهم ، وإعدادهم لسعادة الدنيا والآخرة ، وإنما كانت تختلف صور العبادات والشرائع باختلاف استعداد الأقوام ، ومقتضيات الزمان والمكان ، حتى بعث الرسول بالأصول الموافقة لكلّ زمان ومكان ، مع الإذن بالاجتهاد في المصالح التي تختلف باختلاف الأطوال والأحوال ، فالإيمان ببعضهم دون بعض في رسالتهم الإلهية اتباع للهوى في الإيمان وجهل بحقيقة الدين ، فلا يعتد به ، لأنه عين الكفر . وقد انفرد بهذه الحقيقة العادلة المسلمون دون أهل الملل الوثنية من المجوس والهندوس ، ودون أهل الكتاب الذين لا يؤمنون إلا بأنبياء بني إسرائيل وأبيهم وجدهم ، على ما يذكرون في كتبهم من عيوب ومنكرات وفواحش يرمونهم بها . وأما المسلمون فيؤمنون بأن رب العالمين أرسل في كل الأمم رسلا هادين مهديين فهم يؤمنون بهم إجمالا ، وبما قصه القرآن عن بعضهم تفصيلا ، فقد كرّم الإسلام بهذا نوع الإنسان ، ومهّد به السبيل للألفة والأخوة الإنسانية العامة التي نبينها بعد ، فالمسلم صديق ومحبّ وحبيب لجميع الأنبياء والمرسلين في الدنيا والآخرة ، وتجاه هذا يصح أن يقال : إن غير المسلم عدو للّه ولهم كلهم ، لأن تكذيبه لبعضهم تكذيب لرسالتهم ولمرسلهم سبحانه .